أوديسة هنري كبان، 1943 ـ 1945

 

أ ـ الهروب من فرنسا عبر إسبانيا

1 ـ التحضير للسفر

2 ـ اجتياز جبال البرانس

3 ـ اجتياز إسبانيا

4 ـ الذهاب إلى المغرب

 

ب ـ الانخراط في جيش السلاح الجوي

5 ـ الدار البيضاء والجزائر العاصمة

6 ـ مراكش

7 ـ بريطانيا العظمى

 

أ ـ الهروب من فرنسا عبر إسبانيا

 

1 ـ التحضير للسفر

 

في شهر أكتوبر / تشرين الأول 1942، دخلت المدرسة العليا للمعلمين بعد أن استقلت للمرة الثانية من مدرسة   "البوليتكنيك" (المتعددة التقنيّات). في الواقع، لقد نجحت لأول مرة  في مسابقة الدخول إلى "البوليتكنيك" عام 1941 وكنت آنذاك طالباً في قسم الرياضيات المتخصصة التحضيرية في ثانوية القديس لويس بباريس. وفي السادس عشر من شهر فبراير / شباط عام 1943 أعلنت الإذاعةُ الوطنية خبر إنشاء مصلحة العمل الإجباري وهكذا دعي الشبان من مواليد سنة 1920 و1921 و1922 للذهاب إلى ألمانيا للقيام بالأعمال التي تركها العمّال المجندون. وفي نفس الوقت، شُرع  في إحصاء شامل للشبان بين  الواحدة والعشرين  والواحدة والثلاثين من العمر. وفي مساء اليوم نفسه، وبالسرعة التي قد أصبحت مألوفة، جاء الرد من لندن : "لا للإحصاء"! وأخذ مدى الهروب من الإحصاء يتّسع بشكل كبير يفوق العادة. وتعدت حملة الفرنسيين من لندن ضد مصلحة العمل الإجباري بكثير الحملات الإذاعية السابقة : "إذا أردت تقصير أمد  الحرب فلا تعمل لصالح هتلر!"  ووصل عدد المتهرِّبين من العمل الإجباري  في أول أغسطس / آب 1943 إلى 85000 شخصاً. ونظراً  لأنني ولدت عام 1923 لم أكن معنيا بهذا الأمر، لكنني قررت الانقطاع عن دراستي في المدرسة العليا للمعلمين لمحاولة الالتحاق ببريطانيا العظمى أو شمال إفريقيا.

 

     في أغسطس / آب 1943، بعد شهر من حصولي على شهادات الفيزياء العامة والحساب التفاضلي والتحليل العالي، ذهبت للقيام بالخدمة الريفية في محافظة البرانس العليا، في قرية "برناده ـ دبى" عند أقارب كانوا يستثمرون مزرعة. ولقد استغربت هناك خبر ذهاب ثلاثة شبان من القرية ذاتها إلى ألمانيا بدعوة من طرف مصلحة العمل الإجباري في حين أنّ حدود إسبانيا كانت على بعد سبعين كيلومتراً فقط. فزرت السيد "دونيس بروني"، صديق والديّ، في مدينة "تارب" وأبديت له رغبتي في الالتحاق بشمال أفريقيا، فاقترح عليّ أن يصلني بخلية سرية لعبور الحدود الفرنسية الإسبانية خفيةً وأن أذهب إلى بيته للبقاء عنده حتى مغادرة مدينة "تارب". رجعت إلى باريس، ماراً بمرسيليا، وذلك لزيارة جدّتي، أم أبي، التي اعترضت اعتراضاً عنيفاً على مشروعي الذي قد يتسبب في اعتقال أبي الذي كان أستاذاً في  الفيزياء في كلية العلوم في جامعة باريس. ولقد أقمت كذلك عدة أيام في منطقة "لو فار" حيث كان والديّ يمتلكان دارا في قرية "لاك" التي تقع على الساحل بين مرسيليا و"تولون". ولقد لاحظت هناك، عن غير قصد معين، وجود عدة منشآت على شاطئ البحر وفي البيوت المجاورة، وُضعت خصيصا لعرقلة أي إنزال عسكري محتمل.

 

    ولقد علمت، عند رجوعي إلى باريس، أن طالبين من مدرسة "البوليتكنيك" (المتعددة التقنيّات)، وهما "فونتانيه" و"بايليه"  من رفاق أخي الكبير، كانا يبحثان عن خلية سرية للذهاب إلى اسبانيا؛ بطبيعة الحال، كان تحقيق هذا المطلب صعباً جداً لكنني كنت محظوظاً لأنني كنت أعرف خلية من تلك الخلايا.  بعد أن تخرّج "فونتانيه" من مدرسة "البوليتكنيك"، ذهب إلى مدينة "لورد" للاتصال بالشبكة التي كان قد أُرشِد إليها، لكن نشاط هذه الشبكة كان قد توقَّف  بعد أن افتُضِح أمرها. فرجع إلى باريس والتحق مؤقتا بمكتب دراسات "كودرون ـ رونو"، تلك الشركة التي كانت تتعاون مع مصانع "مسّرخميت" في مدينة أُوغسبورغ حيث كانت مدرسة "البوليتكنيك" (المتعددة التقنيّات) قد بعثت بعض طلابها إلى ذلك المكتب في إطار مصلحة العمل الإجباري. ولقد التقى من جديد في هذا المكتب برفيقه في التخرّج "بايليه" وببعض الطلاب العلميين الذين كانوا يعملون أيضاً في هذا المكتب في إطار مصلحة العمل الإجباري. وعندما علم "فونتانيه" و"بايليه" من طرف أخي الكبير أنني كنت أعرف خلية سرية وأبحث عن رفاق للهروب معهم، لأنني لم أكن أريد الذهاب بمفردي، قررنا، نحن الثلاثة، الذهاب معاً. وفي أواخر شهر سبتمبر / أيلول ذهبت مع أبي لزيارة "جورج بروهات"، نائب مدير المدرسة العليا للمعلمين، وذلك لإخباره بذهابي كي لا تبحث عني دارُ المعلمين. فاتفقنا على أنني سأكون  في جنوب فرنسا طلباً للراحة وتمنى لي السيد "بروهات" حظاً جيّداً. ولم أرَ قطّ بعد ذلك السيد "بروهات" لأنه أُعتقل ونُفي إلى "بوخنفالد" ومات في "ساكسنهاوزن". واختفى إذاً "فونتانيه" و"بايليه"، في يوم 4 أكتوبر / تشرين الأول 1943، من مكتب الدراسة، وسافرنا الثلاثة معاً من محطة "أوسترليتز" إلى "تولوز" في قطار ليليّ.

 

    وعندما وصلنا إلى مدينة "فيرزون" في وسط الليل، خاطبني، باللغة الألمانية، الجندي الألماني الذي كان يراقب ركاب القطار وأمرني بالنزول من القطار لأن تذكرة هويتي لا تحمل الختم المناسب! فنزلت وأمضيت بقية الليلة في عربة نقل فارغة كانت موجودة على سكّة حديدية في مَرْأَب. وفي اليوم التالي، ذهبت إلى مركز القيادة الألمانية، "كُماندانتور"، في مدينة "فيرزون" حيث خُتم الختم المناسب على تذكرة هويتي! ثم رجعت إلى المحطة وانتظرت هناك إلى أن جاء القطار التالي مُتوجِّهاً إلى مدينة "تولوز" التي وصلت إليها في الخامس  من شهر أكتوبر / تشرين الأول حوالي الساعة الثامنة مساءً. ونظراً إلى أنه كان صعباً وخطيراً طلب غرفة في فندق، ذهبت إلى بيت رفيقي "جان كومب"، في 80 شارع "طور". لقد حفظت غيباً العديد من العناوين في مدينة تولوز وتارب ومدريد والدار البيضاء والجزائر العاصمة  وبرازافيل، لأنه كان من الضروري ألا أحمل أية وثيقة تُعرّضني للخطر. وعند وصولي إلى بيت "جان كومب" ووالديه، استقبلوني وكأنني مخلوق "سقط من السماء" واستضافوني لمدة ليلة واحدة. وفي اليوم التالي، عدت لأركب القطار مُتوجِّهاً إلى مدينة تارب حيث وصلتها بعد الظهر وذهبت إلى بيت السيد "برونيه". واتفقنا على أن أبقى في ضيافته للنوم والفطور شرط أن أقضي بقية نهاري وأتناول طعامي خارج البيت. وكان "فونتانيه"  و"بايليه" قد زاراه عشية اليوم الذي زرته فيه. وكانا يسكنان، في ظروف مماثلة وحتى ذهابهما إلى اسبانيا، عند عائلة  فتية شجاعة صديقة لإحدى أخوات "بايليه". وفي اليوم التالي، تمكّنّا، "فونتانيه" و"بايليه" وأنا،  أن نتلاقى من جديد وقررنا أن يقضي اثنان منا فقط يومهما سويةً بينما يبقى الثالث بمفرده، إذ لم يكن من الحَذَر أن يتجول ثلاثة شبان في العشرين من عمرهم معاً في شوارع مدينة تارب خلال عدة أيام. فكان كل واحد منا يتجول، بدوره وبمفرده، لا في مركز مدينة تارب بل في ضواحيها. وفي مرة واحدة فقط ذهبنا الثلاثة معا إلى مدينة "لورد". لم نلتقِ قط بمُنظِّمي الخلية السرية الذين أعلمونا بأنه كان علينا أن نتواجد أمام محطة تارب في يوم الجمعة 15 من شهر أكتوبر / تشرين الأول 1943 حاملين حقيبة ظَهْر تحتوي على أغذية لبضعة أيام فقط. فأرسلت في ذلك اليوم حقيبتي وأمتعتي، التي لم تعد تفيدني، إلى والديّ بباريس.

 

2 ـ اجتياز جبال البرانس

 

   واتجه كل واحد منا بمفرده إلى محطة تارب وعندما وصلنا في الساعة المعينة طلب منا شخصان، وهما على الأرجح مسؤولا الخلية السرية، أن ندفع إليهما المبلغ المقرر، وقدره 3000 فرنك لكل واحد (كان الباحث المبتدئ في المركز الوطني للبحث العلمي يتقاضى آنذاك 2000 فرنك شهرياً). وكان القطار حاضراً في المحطة، وهو قطار يتوقّف في كل المحطات لغاية مدينة "بانيير ده بيغور"؛ وفي هذا القطار كانت حوافل الدرجة الثالثة مكونة من مقصورات منفصلة لكل مقصورة منها بابان، أي أنه كان لها باب واحد في كل جانب من الجانبين. لقد فتحوا أحد البابين وأمرونا، "فونتانيه" و"بايليه" وأنا، بالصعود إلى المقصورة التي فتحوا بابها. وكانت لمبات السقف مكسورة وبالكاد بانَ لنا شخص أو شخصان يجلسان في المقصورة. وعند وقوف القطار في مدينة "بوزاك"، وهي المحطة الأخيرة قبل "بانير ده بيجور"، فتح راكب من ركاب المقصورة الباب الذي يطلّ على السكة الحديدية وأمرنا بالنزول فنزلنا. وبعد انطلاق القطار اكتشفنا أننا ضمن مجموعة من تسعة أشخاص يحاولون الهروب عبر جبال البرانس، بالإضافة إلى مُرشدَيْن أو ثلاثة.

 

    كانت مدينة "بانير ده بيجور" تقع في بداية المنطقة المُحَرَّمة حيث لا يمكن لأحد أن يدخلها دون إذن من الألمان فانطلقنا فوراً عبر الحقول والمروج. ثم مررنا بقرية "سانت ماري ده كامبان" ومشينا طوال الليل حتى ممر "أسبين" الجبلي. عندئذ تركََنا مرشدونا في غابة، قائلين لنا إنّ مرشدِين آخرين  سيأتون لملاقاتنا لنستأنف مَشْيَنا معهم طوال الليلة التالية. فحاولنا أن ننام في العراء، وكان ذلك في شهر أكتوبر / تشرين الأول، ونحن في مكان على ارتفاع 1500 متراً. وخلال الليلة الأولى من المشي وخلال النهار الذي قضيناه في الاستراحة في الغابة القريبة من ممر "أسبين" الجبلي، تعرفنا على رفاقنا في الهروب. كان الأصغر منهم  ألزاسياً، في السابع عشر من عمره، جُنِّد على كره منه في الجيش الألماني، "فيهرمارت"، لقد هرب بشجاعة من هذا الجيش وكان يحاول أن يذهب إلى المغرب ليلتحق بالجيش الفرنسي. وكان رفيق آخر من بين هؤلاء  قد نجح في مسابقة الدخول إلى مدرسة "سان سير" العسكرية وكان يهيم على وجهه منذ أسبوع في جبال البرانس معتقداً أن بقدرته أن يذهب إلى اسبانيا بمفرده مع خريطة و بوصلة فقط؛ فشعر بالاطمئنان عندما عَلِم بأنني  و"فونتانيه" و"بايليه" قد تخرجنا من مدرسة "البوليتكنيك" (المتعددة التقنيّات) أو من دار المعلمين (المدرسة العليا للمعلمين)، لكنه كان مُرهَقاً؛ وبالإضافة إلى ذلك كان مُثقلا بمِعْطف وأحذية بديلة وما إليه، بينما لم يكن لدى كل منا، نحن الثلاثة، وِفْقاًَ لنصائح مسؤولي الخلية السرية، سوى حقيبة ظهر صغيرة فيها مؤونة كافية لبضعة أيام فقط. ولم أعد أذكر إلا بشكل مبهم رفاقي في الهروب الأربعة الآخرين.

 

    وفي مساء يوم السبت 16 أكتوبر / تشرين الأول، جاءنا مرشدون آخرون وأوصلونا، بعد بضعة ساعات فقط من المشي، إلى هُرْيٍ حيث قضينا بقية الليل وكامل نهار الأحد 17  أكتوبر / تشرين الأول في هدوء عميق ودون أن نخرج، بطبيعة الحال. وفي مساء يوم الأحد، جاءنا مرشدون آخرون أيضاً وأخذونا معهم. وكانت المرحلة الأكثر خطورة تخصّ عبور جسر يؤدي إلى المنحدر المقابل للوادي ، في قرية "فييل أور" حيث كان جنود ألمان يجلسون حول طاولة في مقهى. فعبرنا الجسر ، كل واحد لوحده وبدوره وفق إشارة من أحد المرشدين؛ وهو ربما كان من سكان القرية. ثم وصلنا إلى مَقْلَع الأردواز حيث استرحنا فيه حتى الساعة الخامسة صباحا. ومرة أخرى جاء مرشدون جدد فمشينا معهم على درب ضيق بجانب جبل في منحدر الوادي الشرقي حتى منطقة تشرف على تَكيّة "ريوماجو" حيث بدأ الثلج يكسو الدرب بأكمله.

 

    وفي يوم الاثنين 18 من شهر أكتوبر / تشرين الأول وفي الساعة الحادية عشرة صباحا، أشار لنا مرشدونا على ممر  "بورت ده  بلان" (وارتفاعه 2457 متراً) الذي ثقع وراءه اسبانيا. فقالوا لنا إننا سنصل إليه بعد أقل من نصف ساعة فتمنوا لنا حظاً سعيداً في سفرنا.  فقمنا بصعود الجبل ومشينا في الثلج الذي غطى سيقاننا حتى البطَّتين ثم حتى الركبتين. وفي الساعة الثانية بعد الظهر، كان ممر الجبل لا يزال على مرأى منا لكننا كنا نقترب منه ببطء متزايد. وفي الساعة الثالثة بعد الظهر، أرهقني التعب فتركت حقيبتي مع المؤونة التي كانت فيها على الثلج  فالتقط "فونتانيه" و"بايليه"، اللذان كانا أجلد منِّي، المؤونة المتروكة .  ثم استأنف ستّة من بيننا المشيَ، أما الثلاثة الآخرون، الذين قد خارت قواهم، فقرروا النزول إلى الوادي. وفي الساعة الرابعة بعد الظهر وصلنا إلى ممر "بورت ده بلان" الذي يقع على الحدود بين فرنسا وأسبانيا. بطبيعة الحال، لم يكن بوسع الألمان ومساعديهم الفرنسيين حراسة كل الممرات الجبلية وبشكل خاص الممرات التي يصعب اجتيازها كممر"بورت ده بلان" الذي نجحنا في عبوره.

 

3 ـ اجتياز إسبانيا

 

   وصلنا إلى اسبانيا! وكنا نجهل أننا في عداد 23000 فرنسي نجحوا في الهروب من فرنسا إلى اسبانيا. عند هبوط الليل، نزلنا في الوادي فاكتشفنا هَرْياً التجأنا إليه لقضاء الليلة. كانت ألبستنا مُبَلَّلة بسبب مشينا الطويل في الثلج فنمنا عرايا في التِّبْن وأمضينا ليلة مريحة للمرة الأولى منذ أن غادرنا مدينة تارب. وفي اليوم التالي استأنفنا النزول في وادي "ثينكيتا"  وكان في طريقنا جسر لم يكن لنا بد  من عبوره. وبعد الجسر، على منحدر الوادي المقابل، كان رجال الحرس المدني الإسباني ينتظرون الشبان الفرنسيين الذين كانوا يعبرون الممرات الجبلية المرتفعة جداً، عدة مرات في الأسبوع. بقينا مع الحراس المدنيين حتى نهاية دوامهم، أي  حتى حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، ونزلنا معهم إلى قرية "بلان" حيث كان مركزهم.

 

   استقبلنا فلاحون من فلاحي القرية  بمودَّة وأعطونا بعض الطعام والخبز والسجق إذ لم يعد لدينا شيء! ثم احتجزنا الحراس المدنيون طيلة الليل في بنائهم المتواضع وقالوا لنا إنهم سيوصلونا، بعد بضعة أيام، إلى أقرب مدينة  للقاء القنصل! لم يعد لدينا شئ وكنا نجهل كل شيء ولم يكن بإمكاننا أن نغادر هذا المكان، لنذهب إلى أين ؟  وليس معنا شيء؟  كان الحراس يتركونا أحرارا خلال النهارً. وكان فلاحو قرية "بلان" يعطونا ما نأكله؛ وكانوا أنفسهم، كما بدا لنا، فقراء جداً. وبعد بضعة أيام، لم أعد أذكر تاريخها المضبوط، غادرنا القرية مع الحراس المدنيين مشياً على الأقدام لنركب حافلة تقودنا إلى أقرب مدينة  للقاء القنصل. هذه المدينة التي كنا نجهلها هي مدينة "برباسترو"، وهي تقع على بعد 106 كيلومترات. وبعد اثني عشر كيلومتراً من المشي، وصلنا إلى مدينة "ساليناس ده سين" حيث كان علينا أن ننتظر الحافلة التي ستوصلنا من "بيالسا" إلى "برباسترو". وطلب منا حراسنا أجرة المشوار فقلنا لهم إنه لم يعد لدينا شيء، وفي الحقيقة أننا فضّلنا أن نحتفظ بالنقود القليلة التي بقيت في حوزتنا.

 

     قال الحراس إنه يتوجّب علينا إذاً  أن نمشي  حتى "برباسترو"، فلم نَخَف من هذا القرار لأننا كنا قد مشينا طيلة عدة ليالٍ من "بوزاك" إلى قرية  "بلان". فمشينا حتى القرية التالية حيث ركبنا الحافلة التي وصلت من "بيالسا"، برفقة حراسنا المدنيين. وتوقفت الحافلة طويلا في مدينة صغيرة اسمها "أَينسا"  وأوصلنا حراسنا إلى مقهى حيث أعطانا صاحب المقهى بعض الطعام دون أن يطلب منا شيئاً، إذ كان لدينا القليل. يبدو أننا كنا بالنسبة لهؤلاء الإسبان، الذين أطعمونا خلال بضعة أيام، أبطالا؛  وربما كانوا يفكرون أن محاربتنا لألمانيا قد تعجّل في إنهاء حكم الجنرال فرانكو، هذا الحكم الذي كان سقوطه من أمنياتهم على الأرجح. وفي النهاية وصلنا إلى "برباسترو" حوالي الساعة الثامنة مساءً وقادنا حراسنا إلى بناء كان ديراً قديماً حيث دخلناه برفقتهم. وعندما أغلقوا الباب أدركنا آنذاك أننا لسنا في بيت القنصل بل في السجن! لم يكن هناك حد لسذاجتنا، ولكن لم يكن بمقدورنا على كل حال أن نفعل شيئا آخر.

 

   وهكذا أصبحنا في السجن!  لقد سجّلوا أسماءنا وطلبوا تذاكر هويتنا وأخذوا كل ما كان لدينا، أي لا شئ باستثناء بعض النقود الفرنسية التي  صادروها، غير أنهم أعطونا مقابلها إيصالاً لم يفدنا قط بعد ذلك. ثم أوصلونا إلى قاعة كبيرة  يوجد فيها سبعون فرنسياً تقريباً؛ منذ متى تم اعتقالهم؟ تقارب السجناء الآخرون بعضهم من البعض الآخر وأخلوا لنا، نحن الستة، أربعة فروش من القشّ. استقرَّينا "فونتانيه" و"بايليه" وأنا في فراشين ونمنا عليهما طوال مدة اعتقالنا التي دامت شهراً  في سجن "برباسترو".

 

     لم يكن لدينا سوى الثياب التي كنا نرتديها عندما عبرنا الحدود، فبقينا نرتديها حتى يوم 26 من شهر ديسمبر / كانون الأول، وهو اليوم الذي كنا فيه في طريقنا لنركب سفينة في مدينة "مَلَقة" فأعطانا الصليب الأحمر في مدينة مدريد ثيابا جديدة.  وكان رفاقنا في السجن قد طلبوا منا أخباراً عن الحرب في فرنسا. فاستنتجنا من الأسئلة التي طرحوها علينا أنهم كانوا مسجونين هناك منذ ستة شهور على الأقل. وهذا ما أثبط من عزائمنا. وبعد تبادل الكلام معهم قليلاً، أثارت خيبة أملنا ضحكاتهم، إذ علمنا آنذاك أن مدة الإقامة في سجن "برباسترو" تقارب الشهر. وكانوا يسخرون بنفس الطريقة من كل سجين جديد. وفي اليوم التالي أُخِذْنا إلى حلاق السجن الذي حلقنا من القدمين حتى الرأس. وحوالي الساعة العاشرة، نزل كل سجناء قاعتنا إلى ساحة السجن لمدة ساعة. فالتقينا في الساحة بالفرنسيين الآخرين الذين كانوا مسجونين في قاعة كبيرة أخرى في السجن والتقى بينهم "فونتانيه" و"بايليه" برفيق من رفاقهما من مدرسة "البوليتكنيك" (المتعددة التقنيات). أما أنا فالتقيت برفيق لأخي الكبير في الثانوية، اسمه "جان بيدون"، الذي كان قد حضَّر مسابقة دخول المدرسة البحرية خلال دراسته في ثانوية القديس لويس. ورغم إغلاق المدرسة البحرية ، بقيت  مسابقة الدخول إليها موجودة؛ لكن الطلاب الناجحين في تلك المسابقة كانوا يقومون بالدراسة في "المدرسة المركزية" (المدرسة العليا للمهندسين) في باريس.

 

   و كان يوجد أيضا، في سجن "برباسترو"، الكثير من السجناء الإسبانيين الجمهوريين الذين قد سُجنوا قبل عدة سنوات ولسنوات طويلة أخرى، إذ استمر الجنرال فرانكو في الحكم حتى موته في سنة 1975. ولم يكن يسمح للسجناء الإسبان بالخروج إلى الساحة في الوقت الذي كان يخرج إليها السجناء الفرنسيون. ولم تكن سعة الساحة، من جهة أخرى، كافية لاستيعاب جميع السجناء في نفس الوقت. وفي كل يوم أحد، كان يُقام القدّاس في السجن وكان هذا القداس إجبارياً على الإسبانيين واختيارياً على الفرنسيين. وكان جميع الفرنسيين يحضرون القداس لأن هذا الحدث كان فرصة إضافية لنا لمغادرة القاعة الواسعة المشتركة. وبشكل منتظم كان يصل إلى السجن فرنسيون آخرون بُعَيْدَ عبورهم للحدود. وفي يوم من الأيام التقينا بينهم برفيق من رفاقنا الذين عادوا على أعقابهم قي منحدرات "بورت ده بلان" في يوم 18 من شهر أكتوبر / تشرين الأول. فروى لنا أنه نزل في تَكِيَّة "ريوماجو" مع رفيق من رفيقيه بينما تمدد ثالثهم، الذي كان منهكاً،على الثلج فمات. وكان هذا الشاب هو الذي قد نجح في مسابقة الدخول إلى مدرسة "سان سير"، التي أغلقت أبوابها. غير أنّ المدارس التحضيرية الخاصة بهذه المدرسة بقيت، كما استمر تنظيم مسابقات الدخول إليها (تحسُّباً للمستقبل على الأرجح). وكان هذا الشاب في السنة الحادية والعشرين من العمر وكان يدعى "سابون".

   و كان مدير السجن يأتي باستمرار ليقرأ لائحة بأسماء السجناء الذين كانوا يغادرون سجن "برباسترو". وبعد شهر أصبحنا، "فونتانيه" و"بايليه"، وأنا على لائحة المغادرين. فكانت سعادتنا كبيرة. وغادرنا السجن وذهبنا بالقطار، مقيّدين كل اثنين مع بعضهما، إلى مدينة سَرَقُسّة. وعندما وصلنا إلى مدينة سرقسّة، مشينا في الشوارع ، وكنا دائماً مقيّدين كل اثنين مع بعضهما، حتى وصلنا إلى السجن. كان سجن سرقسّة حديثاً جدا؛ ولقد قسمونا إلى مجموعات، كل واحدة منها كانت تضمّ حوالي خمسة عشر سجيناً وجعلوا كل مجموعة في قاعة مساحتها عشرة أمتار مربعة؛ وكان في زاوية منها حنفية وثقب يقوم مقام المرحاض. وبعد ساعة أو ساعتين، أعطونا فروشا من القش، ولكن لم يكن في وسعنا التمدد عليها معاً. واستمر هذا الجحيم ثلاثة أيام وبعد ذلك غادرنا السجن وذهبنا كما جئنا، أي بالقطار، إلى معسكر التجميع "ميرندا".

 

   لقد بدا لنا معسكر"ميرندا" كالجنة بعد مطهر "برباسترو" وجحيم سرقسّة. وكان الجنرال فرانكو قد  شيّد هذا المعسكر خلال الحرب الأهلية وفق نصائح هتلر الحكيمة. وكان المعسكر مؤهلاً لاستيعاب آلاف السجناء، وهذا ما حصل فعلاً. لقد أنشئت فيه أكواخ خشبية عديدة مصفوفة بعناية على خطوط مستقيمة، وكان يسكن في كل كوخ عدد من الأشخاص يتراوح ما بين 120 و 130 شخصاً. وكان الجنود يقومون بحراسة وتنظيم هذا المعسكر الذي كان مشيداً على الطراز الكلاسيكي، وكانت له أسوار وأسلاك شائكة وأبراج للمراقبة. وكان يقوم بقيادته لواء لم تبدُ عليه مظاهر الكراهية تجاه الفرنسيين. ومع ذلك، كان الواقعُ الاعتقالي الفظّ ظاهراً ، خصوصا في توزيع اللوازم ‍‍‌فكانت القصعة مُنفِّرة بسبب وساختها وكذلك الملعقة، أما فراش القشّ واللحاف فكانا ممزقين وتتصاعد منهما روائح الحشرات. وكان في وسط كل كوخ ممرّ، تصطفّ على جانبيه غرف صغيرة من طبقتين. وكانت تحدّ كل غرفة بطّانيات عتيقة تقوم مقام الجدران. وكان هناك لمبة واحدة تضيء الممر بضوء خافت. وكان يعيش في كل غرفة عدة سجناء. فاتخذت لنفسي مسكناً في أحد هذه الأكواخ بينما سكن "فونتانيه" و"بايليه"، اللذان تخرّجا من مدرسة "البوليتكنيك" (المتعددة التقنيات)، في جناح الضباط حيث كنت أزورهما.

 

   واكتشفت خلال إحدى زياراتي، أنّ "جان روسو"، الذي تعرفتُ إليه في ثانوية القديس لويس بباريس والذي كان قد نجح في مسابقة الدخول إلى مدرسة "البوليتكنيك" سنة 1943، يسكن هو أيضا في جناح الضباط. وكان الجناح تحت مسؤولية النقيب لويس لأنه كان أقدم  الضباط، على الأرجح. فأوضحت للنقيب لويس، الذي كان سجينا مثلنا كلنا، أنني أنا أيضا نجحت في مسابقة الدخول إلى مدرسة "البوليتكنيك"، بل إن هذا قد حدث مرتين سنة 1941 ثم سنة 1942، لكنني استقلت منها لأدخل  المدرسة العليا للمعلمين؛ وأنني بذلك أتمتّع على الأقل بنفس الميزات التي جعلت "جان روسو"، يسكن في جناح الضباط. فأمرني النقيب لويس، الذي كان معنا، أي مع "فونتانيه" و"بايليه" وأنا، في "برباسترو" و"سرقسّة"، بأن أحزم أمتعتي، المعادلة لما يقرب من لا شيء، وأن أرجع؛ فأطعته على الفور. بطبيعة الحال، كانت الحياة في معسكر ميرندا قاسية والأحوال الصحية فيه سيئة. وكانت ميرندا تقع على نهر"الإيـبر"، على بعد 80 كيلومتراً جنوب مدينة "بيلباو"، وعلى ارتفاع 460 متراً. وكان آنذاك في شهر ديسمبر / كانون الأول.

 

    بالرغم من الظروف الصعبة داخل المعسكر، كنا أحراراً وكان يمكننا أن نتنزَّه فيه طوال اليوم. وكانت تُلصق على الجدران، كل أسبوعين، لوائح بأسماء مئات بل آلاف الأشخاص الذين كانوا سيصبحون أحراراً في اليوم التالي. وفي يوم 24 من شهر ديسمبر / كانون الأول 1943، كُتبت  أسماؤنا الثلاثة، "فونتانيه" و"بايليه" وأنا،  على لائحة الذين سيغادرون المعسكر. وفي اليوم التالي، في 25 من شهر ديسمبر / كانون الأول، عبرنا باب معسكر ميرندا وأصبحنا رجالاً أحراراً في اسبانيا.

 

 4 ـ الذهاب إلى المغرب

 

   وعند خروجنا من معسكر ميرندا، استقبلنا ممثلو اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني المقيمة في الجزائر العاصمة. وذهبنا إلى مطعم من مطاعم ميرندا حيث أكلنا وجبة كاملة لأول مرة منذ زمن طويل، ثم ركبنا، عند المساء، القطار باتجاه مدينة مدريد التي وصلنا إليها يوم 26 من شهر ديسمبر / كانون الأول صباحاً. أوصلونا إلى مركز للصليب الأحمر(التابع إلى من؟) حيث خلعنا الملابس التي كنا نرتديها منذ أن تركنا باريس، في  اليوم الرابع  من شهر أكتوبر / تشرين الأول، والتي لم يكن يمكننا أن نبدِّلها حتى ذلك اليوم. فارتدينا ثيابا جديدة وحلقنا لحانا واغتسلنا وتغذينا جيدا. بعد ذلك، أعطونا القليل من النقود الإسبانية وطلبوا منا أن نرجع عند المساء للذهاب إلى مدينة "ملقة". فذهبت لزيارة السيد "غي لوفور"، الذي تخرج من المدرسة العليا للمعلمين سنة 1939 وكان أستاذا في ثانوية مدريد الفرنسية. وقد عَيّن السيدُ "كاركوبينو"، مدير المدرسة العليا للمعلمين، و كذلك السيد "بروهات"، نائب المدير، عدةََ طلاب في ثانوية مدريد الفرنسية لكي ينجوا من مصلحة العمل الإجباري. بطبيعة الحال، وصل هؤلاء الطلاب إلى مدريد بالقطار في عربة مجهزة  بسرير، وكان لديهم تأشيرة للدخول. وكان عنوان السيد "لوفور" من العناوين التي حفظتها غيبا. ولقد استقبلني "لوفور"  وهو يقول لي، بشيء من الفخر كما كان يبدو، إنه وزملاءه في ثانوية مدريد الفرنسية، يساندون الجنرال شارل ديغول. فسألته ماذا يعني ذلك. فأجابني أنّ المارشال "بيتان" لم يعد يدفع أجورهم بل إن  من يفعل ذلك هو الجنرال شارل ديغول! فهنأته على هذا العمل الرائع وقلت له إنني، بعد قضائي شهرين من حياتي في سجون اسبانيا، سأذهب إلى المغرب للانخراط في جيش السلاح الجوي.

 

   تركنا مدينة مدريد في حافلات وسافرنا طوال الليل. بدت لنا الحافلات مريحة بل كل شيء بدا لنا مريحاً... عند الفجر، توقفنا لمدة نصف ساعة في مدينة غرناطة ثم وصلنا إلى مدينة ملقة في صباح اليوم الاثنين في 27 من شهر ديسمبر / كانون الأول (سنة 1943). إن معظم الفرنسيين، وعددهم يقارب 1500 شخصا، قد جاء من معسكر ميرندا خاصة وكذلك من بعض السجون ومن بعض "محطات الحمامات البحرية" والفنادق التي سُجن فيها حتى 2000 من الفرنسيينً الذين زعموا أنهم لم يبلغوا سن الثامن عشر. وبينما كنا ننتظر في مدينة ملقة الذهاب إلى المغرب، "سكنّا" في ميادين مصارعة الثيران حيث فرشوا لنا تبناً للنوم. أما في النهار، فكنا أحراراً.

 

    لقد غادرتْ اسبانيا من ميناء ملقة ، بين يوم 21 من شهر أكتوبر / تشرين الأول ويوم 29 من شهر ديسمبر / كانون الأول، ست قوافل مكونة من سفينتين وهي تنقل حوالي 9000 شخصا هربوا من فرنسا. وفي يوم 29 من ديسمبر/ شهر كانون الأول، رست السفينتان "سيدي إبراهيم" و"الوالي العام ليبين" اللتان كوّنتا القوافل الخمس السابقة في ميناء ملقة. فذهبت إلى الميناء مع "فونتانيه" و"بايليه"، ومع الفرنسيين، وعددهم 1500، الذين أقاموا معنا في ميادين مصارعة الثيران، وركبنا البواخر. وفي ذلك اليوم، بعد الظهر، نظرنا إلى شواطئ إسبانيا التي كانت تبتعد. كنا نبحر إلى المغرب! وفي يوم الجمعة 31 من شهر ديسمبر / كانون الأول 1943، نزلت من السفينة على أرض إفريقيا في مدينة الدار البيضاء. وهكذا انتهت  عملية الهروب من فرنسا واستمرت الرحلة بين باريس والدار البيضاء 88 يوماً.  

 

ب ـ الانخراط في جيش السلاح الجوي

 

5 ـ الدار البيضاء والجزائر العاصمة

 

   وفي يوم 31 من شهر ديسمبر / كانون الأول 1943، اقتيد جميع الفرنسيين، الذين نزلوا في مدينة الدار البيضاء من السفينتين القادمتين من مدينة ملقة، إلى معسكر انتقالي ليتمموا الإجراءات اللازمة وأولها الحصول على تذكرة هوية مؤقتة مثبتة وفق البيانات التي صرّح بها المعني بالأمر. ثم قام الضباط باستجوابنا طويلاً حول سيرتنا الشخصية ومستوانا الدراسي وظروف عبورنا جبال البرانس وإقامتنا في اسبانيا. وهكذا أبلغت  أنني سأعيّن برتبة ملازم ابتداءً من يوم 18 من شهر أكتوبر / تشرين الأول المصادف لتاريخ عبوري الحدود الفرنسية الإسبانية. وعُينَ برتبة ملازم، في ظروف مماثلة، جميع الذين هربوا من فرنسا من طلاب المدارس العسكرية الأربع  مدرسة "البوليتكنيك" (المتعددة التقنيات) ومدرسة "سان سير" والمدرسة البحرية والمدرسة الجوية، و كذلك طلاب المدارس المدنية الخمس التالية : المدرسة العليا للمعلمين ومدرسة المناجم بباريس ومدرسة الطرق والجسور والمدرسة العليا للمهندسين والمدرسة الاستعمارية.

 

  وقام ضباط آخرون باستجوابنا عن تفاصيل قد تكون مهمة بالنسبة للمعارك القادمة في فرنسا. فأفصحت لهم عن المعلومات القليلة التي كانت لدي حول المنشآت القائمة على شاطئ قرية "لاك" وفي البيوت المجاورة. ثم وقعتُ تعهداً بالانخراط في جيش السلاح الجوي طوال مدة الحرب. ومنذ  هذا التاريخ، انفصلت مسيرتي عن النهج الذي اتخذه كل من "فونتانيه" و"بايليه". إذ التحق "فونتانيه" بسلاح المدفعية أما " بايليه" فقد اختار فصلية الدبابات، إذ كان بإمكان الذين هربوا من فرنسا اختيار فصلية الجيش التي كانوا يريدون الانخراط بها. وفي كل مجموعة جديدة من الهاربين قادمة من اسبانيا، كان يوجد ألزاسيون مزيفون، وهم في الحقيقة، جواسيس ألمان أرسلهم جيش "فيهرمارت" (الجيش الألماني) فكان مصيرهم الإعدام بالرصاص.

    وفي يوم الاثنين 4 من شهر يناير / كانون الثاني 1944، غادرت المعسكر الانتقالي وذهبت إلى المستودع 209 في الدار البيضاء حيث أعطونا متاعاً عسكرياً مكتملا جداً، ثم انتظرتُ أن يرسلوني إلى الجزائر العاصمة للتحقق في الجريدة الرسمية من دخولي في المدرسة العليا للمعلمين ولتعييني كملازم.

 

    وخلال إقامتي في الدار البيضاء زرتُ السيد "أندره مواتسيى"، ابن عم أمي، وعنوانه من بين العناوين التي حفظتُها غيباً. قال لي إن "مارسيل بواتو"، الذي كان رفيقا من رفاق دورتي في المدرسة العليا للمعلمين، قد وصل إلى الدار البيضاء قبل ذلك بشهور ماراً بجبل طارق. وكنا  نسكن معاً، أنا و"مارسيل بواتو"، خلال السنة الجامعية 1942 ـ 1943. رغم ذلك لم يكن يعرف كل منا أن الآخر كان يُحَضِّر للانقطاع عن الدراسة وللانضمام إلى القوات الفرنسية المقاتلة في شمال إفريقيا. وهذا يشير إلى السرُّية التي كان يجب أن تحيط بهذا النوع من المشاريع. لقد تمكن "مارسيل بواتو" من عبور اسبانيا كلها بظرف أسبوعين فقط دون الوقوع في أسر الأسبان. ويعود تفوقه هذا إلى عبوره جبل البرانس بمواكبة طيارين أمريكيين سقطوا في فرنسا ثم نجحوا بعد وصولهم  إلى اسبانيا في الاتصال بسفارتهم هناك. ولم يكن الجنرال فرانكو يعتقل الأمريكان. فجاء عندئذ  أحد ممثلي السفارة وأوصل الطيارين، وكذلك "مارسيل بواتو"، إلى جبل طارق. وفي المستودع 209 تعرفتُ إلى السيد "لانجلوا ـ برتلو"، الذي قدم من اسبانيا في القافلة نفسها التي كنت فيها. إذ كان من بين الذين نجحوا في مسابقة الدخول إلى مدرسة "البوليتكنيك" (المتعددة التقنيات) سنة 1943 وكان هو أيضاً ينتظر الذهاب إلى الجزائر العاصمة. وخلال إقامته في اسبانيا سكن في محطة حمامات لأنه زعم أنّ عمره كان يبلغ  سبع عشرة سنة. إذ كان أفضل مني علماً بظروف اجتياز اسبانيا. وأخيراً ذهبت مع "لانجلوا ـ برتلو" إلى الجزائر العاصمة  بالقطار حيث أقمنا بشكل مريح  في عربة لنقل الماشية.

 

   وفي شمال إفريقيا كان يوجد جيش عظيم يضم جنوداً أمريكان وإنكليز وفرنسيين. وبطبيعة الحال كانت وسائل النقل تثير الكثير من المشاكل. فبعد أن سافرنا بضعة أيام وليالٍ وتوقفنا في محطات عديدة، وخاصة في مدينة وهران التي تمكَّنّا من زيارتها، وصلنا إلى الجزائر العاصمة في 16 من شهر يناير / كانون الأول ثم اتجهنا إلى القاعدة العسكرية 320 التي عيّنونا فيها. وبعد إتمام العديد من الإجراءات الجديدة التي أتاحت لنا على الأخص الحصول على بطاقات هوية دائمة، كنا في انتظار تعييننا بدرجة ملازم الذي أصبح نافذاً يوم 3 من شهر مارس / آذار. وفور وصولنا إلى الجزائر العاصمة ذهبتُ إلى مكتب إذاعة الجزائر لبث الرسالة التالية "توجَّهَ أنفُ التابير* إلى السماء". إذ كنت قد اتفقت مع والديّ وبعض أصدقائي على أن هذه الجملة المبثوثة من إذاعة الجزائر، ستكون الإشارة إلى وصولي إلى شمال إفريقيا.

    لم يسمع والديّ  هذه الجملة السرية غير أن بعض الأصدقاء تمكنوا من إخبارهم بوصولي فور سماعهم لها. وخلال الأسابيع الستة التي قضيتها في الجزائر العاصمة، ذهبت لزيارة السيد "جورج دارموا" الذي كان أستاذاً في كلية العلوم بباريس وكان موجوداً عندئذ في الجزائر، ومن بين الأخبار التي سمعتها منه،  علمت أنّ "إيف روكار"، الذي كان هو أيضاً أستاذاً في كلية العلوم بباريس، كان موجوداً أيضاً في الجزائر. وكنت قد تابعت بعض الدروس التي كان يلقيها على الطلاب في فرع العلوم في السنة الدراسية الأولى في المدرسة العليا للمعلمين وقد أجرى لي، في شهر يوليو / تموز، امتحانا شفهيا من امتحانات شهادة الفيزياء العامة. ولقد غادر السيد "روكار" فرنسا على متن طائرة؛ وكان خبيراً في "المنارات اللاسلكية" (محطة إرسال لا سلكية تحدد للطائرة اتجاهاً) فأرسل الإنكليز، بقصد إحضاره، طائرة من نوع "ليساندر" هبطت على مرج  بمنطقة "بواتييه" بين ليلة 13 إلى 14 من شهر سبتمبر / أيلول 1943. كانت "الليساندر" طائرات صغيرة أحادية المحرك ذات أربعة مقاعد للطيار والراشّ وراكبين. وكانت "الليساندر" تهبط على المروج التي يشير إليها المقاومون في الليالي المقمرة.

   ولقد نجح حوالي 640 شخصا في مغادرة فرنسا إلى إنكلترا بتلك الوسيلة. ولا بدّ لنا من مقارنة هذا العدد بعدد  الفرنسيين الذين عبروا جبل البرانس، وهم 23000، وكذلك بعدد الذين فشلوا، وهم 7000. ويجب أيضاً إضافة بضعة آلاف من الأجانب.

    وخلال الأسابيع الستة التي قضيتها في الجزائر، كنت أتردد كلّ يوم تقريباًً على مكتبة جامعة الجزائر لأنني كنت أريد بطبيعة الحال أن أرجع إلى المدرسة العليا للمعلمين بعد الحرب لأكمل دراستي ولذلك كنت أرغب في عدم نسيان الرياضيات التي بدأت أدرسها هناك.

    وخلال ترددي على المكتبة، تمكنت من قراءة وتحرير برهنة نظرية عالم الرياضيات "جاك هادامار" حول توزيع الأعداد الأولية؛ كما شرعتُ في دراسة الأعداد الصمّاء. واشتريت أيضاً في الجزائر أحد المؤلفات العلمية النادرة التي وجدتها وهي المجلَّدات الثلاثة في "الميكانيكا السماوية" التي ألّفها "هنري بوانكاريه". وفي الجزائر العاصمة، قمت بزيارة خالي "ألبرت فابري" وزوجته. وكانا يسكنان بدارة، في شارع "كلود برنار"، لها مَطَلّ جميل على الجزائر العاصمة. لقد استقبلاني استقبالا حاراً ورقدت عندهم عدّة مرات.

    في بداية شهر مارس / آذار أُخبرنا، أنا و"لانجلوا ـ برتلو"، بتعييننا بدرجة ملازم وحصلنا على رصيد ما تأخَّر من  مرتَّبينا. وفي يوم 3 من شهر مارس / آذار، ركبنا عربة المسافرين في القطار إلى الدار البيضاء وكانت الرحلة طويلة جداً. وعند وصولنا إلى الدار البيضاء، أُلحِقنا بمركز تدريب الطيارين مع حوالي عشرين شابا فرنسياً من التلاميذ الضباط. وكنا نشكُّل مجموعة التخرّج التالية من المقبولين لمتابعة التدريب لنصبح ضمن سلك الطيارين في القوات الجوية. وبقينا في الدار البيضاء حتى يوم 12 من شهر أبريل / نيسان.

 

6 ـ مراكش

 

    وفي يوم 13 من شهر أبريل / نيسان، وصلنا، أي الملازمان، وهما "لانجلوا ـ برتلو" وأنا، والمتدرِّبون كلهم وكذلك  حوالي عشرين شابا من التلاميذ الضباط، إلى مراكش في المدرسة التطبيقية للملاحة الجوية. وبدا غير طبيعي للقائد الذي كان يدير المدرسة أنني و"لانجلوا ـ برتلو" قد حصلنا على درجة ملازم دون أن نكون في عداد الجنود من قبل. فقال لنا إنه يجب علينا أن نسكن ونأكل برفقة التلاميذ الضباط. ولم يضايقنا النوم أبداً في غرفة الجنود الواسعة ذات  المراقد المتطابقة لكننا، في وقت تناول الطعام، كنا نقف في الطابور حاملين قصعتنا أمام الجنود المغربيين الذين كانوا يقدمون الطعام. فكان الاستغراب بادياً على وجوه هؤلاء الجنود عند رؤيتهم لملازمين يقفان في صف التلاميذ الضباط الذين كانوا مُجَرَّد جنود، فربما كانوا يتساءلون هل نحن معاقبون أم لا؟ وأصبحنا، "لانجلوا" وأنا، منزعجين إلى حدٍّ جعلنا، بعد ثلاثة أيام، نخلع شرائطنا المشيرة إلى رتبة ملازم. ولقد بدا لي هذا الوضع مزعجاً إلى درجة دفعتني  إلى أن أقترح على "لانجلوا" أن نعرض وضعنا على القائد. ولكني ذهبت بمفردي للقائه بعد أن رفض "لانجلوا" مرافقتي. واعترف القائد بخطئه فأمر بوضعنا في منزلة الضباط فيما يتعلّق بالنوم وفي وجبات الطعام التي أصبحنا نتناولها، بعد ذلك في مطعم الضباط.

 

     وفي مدرسة مراكش اخترتُ تحضير شهادة الملاحة الجوية. لذلك تلقيت دروساً نظرية  في مادة الرياضيات لكنني سرعان ما اكتشفت أنها لا تتعدى المستوى الثانوي رغم ادعاء المدرسين بأنها مطابقة لبرنامج الرياضيات العليا. وكنّا نمارس الدروس التطبيقية في الطيران سواء كطيارين أو كَرُكّاب. إذ كان علينا أن نحصل على مجموعة من 100 ساعة طيران للحصول على شهادة الملاحة الجوية. وكانت طائرات التدريب من طراز "ليو 45 " أو "سيسنا". كانت المعيشة رخيصة جداً في القاعدة العسكرية الجوية وكان تسعون بالمائة من رواتبنا موفر لمصروف الجيب. وبعد قبض رواتبنا في نهاية الشهر، كنا نذهب معا في مجموعة لنتناول الطعام في فندق "مامونيا" الذي كان فندقاً فخماً ذا شهرة عالمية؛ وكان السيد ونستون تشرشل يتردَّد عليه للإقامة والاستجمام. وكانت الأطعمة فيه فاخرة والأسعار مرتفعة نتيجة لذلك. وفي يوم من الأيام، أتيحت لي فرصة لقاء رفيقيّ "فونتانيه" و"بايليه" فذهبنا معاً إلى مدينة "موجادور"، التي سميت السويرة  فيما بعد، لنقضي نهارنا هناك. في ذلك اليوم غادرتُ القاعدة العسكرية دون إذن، لأنني كنت أعلم أنه لن يسمح لي بالخروج. وعند رجوعي علمت بأنني كنت مدرجاً في لائحة التدريب على الطيران وبأنني نجيتُ من العقاب بفضل حسن نية رفاقي وتسامح المدرّب.

    وفي أواخر الدورة التدريبية كان "لانجلوا ـ برتلو" راكباً في طائرة بجانب تلميذ طيار؛ فشل هذا الأخير في الهبوط فلقي الاثنان مصرعهما. حملت نعش "لانجلوا ـ برتلو" مع خمسة من رفاقه ونقلناه إلى مقبرة مراكش حيث دُفن. انتهى التدريب في يوم 18 من شهر أغسطس / آب ولقد حصلت على شهادة الملاحة الجوية دون صعوبة وكنت في المرتبة الأولى للدورة.

 

     وبعد ذلك كان علينا أن نشارك في دورة تدريبية للتخصص في قيادة فئة من الطائرات. فاخترتُ القاذفات الثقيلة وكان مركز التدريب عليها يوجد في بريطانيا العظمى. وهكذا سافرتُ، في يوم 20 من شهر أغسطس / آب، برفقة الذين حصلوا على شهادة الملاحة الجوية واختاروا القاذفات الثقيلة مثلي، إلى مستودع "البركي" قربَ الجزائر العاصمة. وفي يوم 7 من شهر سبتمبر / أيلول 1944، أبحرنا إلى إنكلترا وسافرنا في قافلة بحرية حتى وصلنا إلى مدينة "جرينوك" قرب "غلاسغو" في اسكتلندا، في يوم 14 من شهر سبتمبر / أيلول.

 

7 ـ بريطانيا العظمى

 

      أقمنا بضعة أيام في مركز انتقالي اسمه "المدرسة الوطنية" قرب لندن. وفي لندن التقيت صدفةً بالطيار الجنرال "لوكليرك"  الذي أرسل في اليوم التالي إلى باريس الرسالة الأولى التي تمكنت من إرسالها إلى والديّ منذ مغادرتي فرنسا. وفي لندن أيضاً، في يوم 25 من شهر سبتمبر / أيلول 1944، اشتريت كتاباً من كتب الرياضيات عنوانه "دراسة في التحليل الحديث" ألفه "ويتاكر" و"واطسون" وطوال إقامتي في بريطانيا العظمى درستُ محتوى هذا الكتاب بعمق لأنني كنت ما زلت عازماً على الرجوع إلى المدرسة العليا للمعلمين. وفي نفس الوقت، قمت بكتابة مقالة عن تطبيق الكسور المتصلة في تشكيل الأعداد الصمّاء. وبعد إصلاح الاتصالات بين فرنسا وإنكلترا أرسلتُ المقالة إلى أبي الذي عرضها على "المجلة العلمية" التي نشرتها.

 

    وبعد إقامتي في لندن، أرسلوني إلى مركز في "فيلى" وبعد ذلك إلى "دومفريس"، في اسكتلندا، في مركز اسمه "فرقة التدريب المتقدم"، حيث بقيتُ فيه من يوم 10 من شهر أكتوبر / تشرين الأول إلى يوم 4 من شهر ديسمبر / كانون الأول. ثم نقلوني إلى مدينة "لوسيموث"، وهي أيضاً في اسكتلندا، إلى مركز آخر اسمه "فرقة التدريب العملي" أقمتُ فيه من يوم 2 من شهر يناير / كانون الثاني سنة 1945، إلى يوم 9 من شهر مارس / آذار سنة 1945.

     وفي هذا المركز كانت الطواقم، التي قد تشكلت، تطير ليلاً. وتقع مدينة "لوسيموث" على  درجة 58  من خط العرض الشمالي وبما أننا كنا في فصل الشتاء كان الليل يهبط في وقت مبكر جداً مما يجعل الظروف مناسبة للطيران ليلاً. وكان الطيارون يركبون الطائرات كطيارين مساعدين مع طواقم أخرى. وفي ليلة من الليالي، كنت أركب طائرة كطيار معاون مع فرقة إنكليزية عندما انكسرت القاطرة الحاملة للعجلات عند الهبوط واشتعلت النار بالطائرة، على أثر احتكاكها بالمدرج.  ونجح الإنكليز كلهم في الخروج من مخارج النجدة، غير أنني لم أنجح في الخروج لأنّ المخارج كلها كانت محاطةً باللهيب. كانت الطائرة من نوع "ولنغتون"  وكان هيكلها  مكوناً من الألومنيوم المغلّف بالقماش. شققت القماش بين قضبان الألومنيوم فنجحت في الخروج لأنني كنت نحيلاً. وسمعت أعضاء الفرقة الإنكليزية يتساءلون عن مصير "الطيار الفرنسي". لقد سَلِمنا كلنا غير أنً رفاقنا، عندما رأوا الطائرة تحترق، اعتقدوا أننا متنا جميعا.

 

     وفي يوم 9 من شهر مارس / آذار، أُرسِلَت فرق "لوسيموث" إلى قاعدة أخرى لتُدرّب على قيادة الطائرات من نوع "هاليفاكس" التي كان علينا أن نقودها في عمليات حربية. وفي يوم 5 من شهر مايو / أيار 1945، وصلنا إلى مجموعة "غويانا"، إحدى مجموعتي القوات الفرنسية الحرة المكونة من القاذفات الثقيلة. فاستقبلونا بكثير من السخرية بينما كنا نشعر بالمرارة لأن مغامرتنا الصعبة التي دامت حوالي سنتين قد انتهت بهذه الطريقة. وبعد ذلك بثلاثة أيام، وقَّعَت ألمانيا على استسلامها بلا شروط  وانتهت الحرب.

 

    لقد حلّقنا بعد ذلك فوق ألمانيا أكثر من مرة ورمينا في بحر الشمال القذائف التي لم تعد مفيدة. وفي يوم 18 من شهر يونيو / حزيران 1945، اشتركَت فرقتُنا في عرض عسكري في جادة "الشانزيليزيه" بباريس. وذلك أننا انطلقنا من مدينة "إلفينتون" في منطقة "يوركشاير" وحلّقنا فوق الشانزيليزيه في الساعة المعينة ثم رجعنا إلى "إلفينتون" لنهبط فيها. وفي شهر يوليو / تموز، عُينتُ في المفرزة المتقدمة التي كان يتوجّب عليها تحضير مجموعتي القاذفات الثقيلة، "غويانا" و"غاسكونيا"، للتمركز في قاعدة "ميرينياك" قرب مدينة "بوردو"، وهي نفس القاعدة التي انطلق منها الجنرال "ديغول" إلى لندن في يوم 17 من شهر يونيو / حزيران سنة 1940!

    وبينما كنتُ في مدينة "بوردو" أتيح لي أن أذهب إلى باريس لأزور والديّ ولأقضي بضعة أيام هناك بعد غيبة دامت 21  شهراً. وفي "ميرينياك"، حضّرتُ شهادة الميكانيكا العقلية وهي الشهادة الأخيرة التي لم تكن في حوزتي.

 

    ثم أُرسلت، بعد ذلك، إلى مركز "التجميع والإدارة" للقوات في باريس حيث حصلت على وثيقة تسريحي من الخدمة العسكرية في يوم 21 من شهر أكتوبر / تشرين الأول، أي بعد سنتين وثلاثة أيام من عبوري للحدود الفرنسية الإسبانية. وفي يوم 24 من شهر أكتوبر / تشرين الأول نجحتُ في شهادة الميكانيكا العقلية فحصلتُ على الليسانس، ثم رجعت إلى المدرسة العليا للمعلمين لأقضي فيها السنة الثانية والأخيرة.

 

*  حيوان من فصيلة الثديييات له أنف على شكل خرطوم قصير

 

ترجمة : رندا الكناني ومراجعة بدوي المبسوط

Traduction : Randa Kinany  texte révisé par Badaoui El Mabsout